هل التعليم يصنع الأوائل أم يكتشف المواهب؟

هل التعليم يصنع الأوائل أم يكتشف المواهب؟

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

من تعليم الأوائل إلى تعليم الإمكانات: مقارنة بين مصر والصين وفنلندا

 

عندما نتحدث عن التعليم، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من حصل على أعلى الدرجات؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا يستطيع كل طالب أن يفعل؟ وما الإمكانات التي يمكن أن نساعده على تطويرها؟

ومن هذه الزاوية يمكن عقد مقارنة مثيرة بين التعليم في مصر والصين وفنلندا، لأن كل نموذج يعكس بدرجات مختلفة فلسفة معينة في التعامل مع الطالب.

في مصر، ارتبط التعليم لفترة طويلة بالامتحانات والدرجات، خصوصًا في المراحل التي تحدد الانتقال إلى التعليم الجامعي. وأصبح المجموع بالنسبة لكثير من الطلاب والأسر معيارًا أساسيًا للحكم على النجاح. ولذلك يميل النظام بطبيعته إلى إعطاء أهمية كبيرة للطلاب أصحاب الدرجات المرتفعة، لأن نتائجهم هي الأكثر وضوحًا وقابلية للقياس.

وهنا تظهر مشكلة مهمة: ماذا عن الطالب الذي لا يحصل على درجات مرتفعة، لكنه يمتلك موهبة أخرى؟ قد يكون لديه قدرة متميزة في البرمجة، أو الفن، أو الكتابة، أو حل المشكلات العملية، أو التواصل مع الآخرين. إذا كان النظام يعتمد بدرجة كبيرة على الامتحان الأكاديمي، فقد لا تظهر هذه القدرات بوضوح.

وهذا لا يعني أن التعليم المصري لا يهتم بالطلاب الآخرين، كما أن هناك إصلاحات حديثة تحاول بالفعل الانتقال من الحفظ والاستظهار إلى الفهم والتفكير النقدي والمهارات. لكن المشكلة أن تغيير المناهج والامتحانات لا يكفي وحده؛ لأن ثقافة المجتمع نفسها ما زالت تعطي الدرجات والمجموع أهمية كبيرة.

أما الصين، فهي تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لهذه الظاهرة. فقد استطاع النظام التعليمي الصيني تحقيق مستويات مرتفعة من التحصيل الأكاديمي، لكنه في الوقت نفسه ارتبط بدرجة كبيرة بالامتحانات والمنافسة، وعلى رأسها امتحان القبول الجامعي المعروف باسم Gaokao.

وبالتالي فإن الطالب المتفوق أكاديميًا يصبح في وضع قوي جدًا داخل النظام، بينما قد يجد الطالب الذي يمتلك قدرات مختلفة عن تلك التي تقيسها الامتحانات صعوبة أكبر في إظهار إمكاناته.

لكن من الخطأ القول إن الصين لا تهتم إلا بالأوائل. فالصين نفسها أدركت محدودية الاعتماد المفرط على الامتحانات، ولذلك اتجهت إلى إصلاحات تهدف إلى تنويع أساليب التقييم والاهتمام بقدرات الطالب وتطوره بصورة أشمل. أي أن الصين تواجه السؤال نفسه تقريبًا: كيف نحافظ على قوة التحصيل الأكاديمي، دون أن يتحول التعليم كله إلى سباق درجات؟

وهنا تأتي فنلندا كنموذج مختلف نسبيًا.

الفلسفة التعليمية الفنلندية تعطي مساحة أكبر لفكرة أن الطلاب مختلفون في قدراتهم واحتياجاتهم، وأن وظيفة المدرسة ليست فقط ترتيب الطلاب، وإنما مساعدتهم على التعلم والتطور. ولذلك يكون الاعتماد على الاختبارات المعيارية عالية المخاطر أقل من الأنظمة التي تجعل الامتحان بوابة أساسية للمرحلة التالية.

في هذا النموذج لا يصبح الطالب مجرد رقم في ترتيب الفصل. فالمعلم يحاول معرفة نقاط القوة والضعف لدى الطالب، ومساعدته على التقدم وفقًا لاحتياجاته.

image about هل التعليم يصنع الأوائل أم يكتشف المواهب؟

ولفهم الفرق بصورة بسيطة، يمكن أن نتخيل ثلاثة طلاب:

طالب يحصل على 98% في الرياضيات، وطالب آخر يحصل على 75% لكنه يتمتع بقدرة استثنائية على حل المشكلات العملية، وطالب ثالث يحصل على 70% لكنه متميز جدًا في الكتابة أو الرسم أو التواصل.

في نظام يعتمد بصورة أساسية على الامتحانات، سيكون من السهل اكتشاف الطالب الأول باعتباره متفوقًا. أما الطالبان الآخران فقد لا تظهر مواهبهما الحقيقية في كشف الدرجات.

أما النظام الذي يركز على تنمية الإمكانات، فيحاول أن ينظر إلى الصورة بصورة أوسع: الدرجة معلومة مهمة، لكنها ليست تعريفًا كاملًا للطالب.

ومن هنا يمكن القول إن الفرق الأساسي بين الفلسفتين ليس في وجود الامتحانات أو عدم وجودها، وإنما في المكانة التي نعطيها للامتحان داخل العملية التعليمية.

ففي النموذج الامتحاني يكون السؤال الأساسي:

من حصل على أعلى نتيجة؟

أما في النموذج الذي يركز على تنمية الطالب فيكون السؤال:

ما الذي تعلمه هذا الطالب؟ وما قدراته؟ وما الذي يحتاج إليه لكي يتقدم؟

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى المسألة باعتبار أن نموذجًا واحدًا جيد والآخر سيئ. فالامتحانات والمنافسة لهما فوائد حقيقية؛ فهما يوفران معايير واضحة للمقارنة، خصوصًا عندما يكون عدد الطلاب كبيرًا وعدد المقاعد الجامعية محدودًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الامتحان من وسيلة لقياس جزء من تعلم الطالب إلى تعريف كامل لقيمة الطالب وقدراته.

ولذلك ربما يكون النموذج الأفضل هو الذي يجمع بين الأمرين: يحافظ على مستوى أكاديمي قوي، ويستخدم الاختبارات عندما تكون مفيدة، لكنه في الوقت نفسه لا يحصر الطالب في مجموعه وترتيبه، ويمنح المدرسة والمعلم وسائل أخرى لاكتشاف المواهب والقدرات المختلفة.

فالهدف الحقيقي من التعليم لا ينبغي أن يكون فقط تخريج عدد من الأوائل، وإنما إخراج أفضل ما لدى كل طالب.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: «من هو الأول؟»، وإنما: «ماذا يمكن أن يصبح كل طالب إذا حصل على التعليم المناسب لإمكاناته؟»

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Esraa تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

1

متابعهم

2

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-