لم أخطط لحياتي.. فدفعت الثمن دراسياً ونفسياً

لم أخطط لحياتي.. فدفعت الثمن دراسياً ونفسياً

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

تجربتي في دخول الجامعة لأول مرة بعد الثانوية العامة

 

أنهيت مرحلة الثانوية العامة سنة 2019، ولم أوفَّق في دخول الكلية التي أردتها. ولأول مرة سمعت عن كليات لم أكن أعلم بوجودها من الأساس، مثل التربية النوعية والآداب، وكليات أخرى محدودة موجودة في بعض المحافظات فقط، مثل كلية التغذية التي حسب ما أذكر أنها موجودة في حلوان.

كان حلمي أن أسافر منذ صغري، فقررت دخول كلية مناسبة لمجموعي، وأن أحاول التفوق فيها. دخلت كلية التربية النوعية، وبها أقسام إعلام وتكنولوجيا معلومات، واقتصاد منزلي. اخترت قسم الاقتصاد المنزلي لأنه عملي أكثر من كونه نظرياً، وكان قسماً جميلاً بالفعل، لكنني تساهلت فيه، وظننت أنني سأنجح دون مجهود في المذاكرة أو حتى حضور الجانب العملي. وبالطبع لم أنجح في الترم الثاني، رغم أنني اجتزت الترم الأول بتقدير "مقبول".

قبل أن أكمل.. نصيحة مهمة

إن لم يكن في أسرتك من دخل الجامعة من قبل، ولا يوجد من يُلِمّك بالحياة الجامعية، ولماذا نذاكر أصلاً في الثانوية، فلا تكن مثلي. كنت أدخل كل مرحلة تعليمية على عمى تام:

أنهيت الإعدادية؟ سألت نفسي: ماذا بعدها؟ الثانوية؟ حسناً، سأذاكر لأنجح فقط، دون أي تخطيط أبعد من ذلك.

هذه الطريقة في التفكير ليست مناسبة، خصوصاً إن كنت تريد أن تضمن حياة مستقرة مادياً ونفسياً في المستقبل. الأهم من "النجاح" وحده أن تعرف:

كيف تعمل الدنيا من حولك

ما الوظائف المطلوبة اليوم

ما الفرص التي تقدمها كل كلية

هل تريد العمل داخل مجال كليتك أم خارجه بعد البكالوريوس

الصدمة.. وإعادة التفكير

بعدما لم أنجح في سنتي الأولى، قررت ألا أحضر السنة التالية، لأن حالتي النفسية لم تكن مستقرة، عندما أدركت أنني لم أخطط طوال حياتي لما أريد فعله، وأنني أدخل كل مرحلة تعليمية على عمى. كان هذا صادماً لي، لأنني شعرت أنني ربما أهدرت وقتي وعمري.

لكن هذا التفكير نفسه كان ناقصاً مني أيضاً. لأنني في الحقيقة دخلت كلية جيدة بها فرص عمل كثيرة، لكنني استهزأت بها، لأن واقعنا -وأغلبنا معه- يستهزئ بكليات معينة، وحين رأيت ذلك من حولي، انجرفت وبدأت أستهزئ مثل البعض.

فكرة "كليات القمة" و"كليات القاع"

هذا التفكير العقيم يجعل الطالب الذي يدخل كلية مجموعها منخفض يشعر بالحزن والدونية النفسية. لكن الحقيقة أننا لسنا سواسية جميعاً: لن نحصل كلنا على نفس الدرجات، وكليات القمة -كما نعلم- أغلبها متعلقة بالقطاع الطبي، ومجموعها مرتفع لأن التعليم لعدد قليل من الطلاب أسهل عملياً من التعليم لأعداد كبيرة. وإن كان معك المال الكافي، يمكنك دخول كلية خاصة في القطاع الطبي بغض النظر عن مجموعك.

فلماذا يدخل أغلب الناس الجامعة إذن؟ حباً في التعليم لذاته، أم ليكون سبباً في مصدر رزقهم لاحقاً؟ لنكن واقعيين: الأغلبية تريد أن تعمل بالشهادة.

لكن الشهادة وحدها لم تعد كافية

سوق العمل تغيّر. اذهب إلى أي موقع توظيف مثل Indeed أو وظف أو LinkedIn، وانظر إلى الوظائف المطلوبة، ستجد أنك غير مؤهل لمعظمها -إن لم يكن جميعها- كما حدث معي بالضبط. لذلك أنصحك أن تذهب بنفسك وترى الواقع كما هو.

لكن الجانب الإيجابي أن هناك وظائف حقيقية على أرض الواقع لا تحتاج للتعقيد الموجود في هذه المواقع، ولا تحتاج خبرة سابقة، ويمكنك التدرب عليها في مكان العمل نفسه قبل البدء الفعلي.

image about لم أخطط لحياتي.. فدفعت الثمن دراسياً ونفسياً

البدء بما لديك هو السر

لا تنتظر أن تمتلك مهارات مثالية قبل أن تتقدم لأي فرصة. إن ذهبت لمقابلة عمل:

إن قُبلت، فمبروك

وإن رُفضت، يمكنك التقدم لمقابلة أخرى في مكان مختلف

لن تكون أول ولا آخر شخص يُرفض من عدة مقابلات. قد تتقدم لخمسين مقابلة ولا تُقبل إلا في اثنتين أو ثلاث أو حتى واحدة فقط، وهذا أمر طبيعي تماماً في سوق العمل، وليس مقياساً لقيمتك أو قدراتك.

بعض النصائح الإضافية لمن هو في بداية الطريق

اسأل قبل أن تختار: تحدث مع طلاب أو خريجين من الكلية التي تفكر فيها قبل التقديم، لا تكتفِ برأي المحيطين العشوائي.

المهارات العملية لا تقل أهمية عن الشهادة: دورات اللغة الإنجليزية، الحاسب الآلي، وأي مهارة تقنية بسيطة (مثل إدارة السوشيال ميديا أو التصميم أو التسويق) قد تفتح لك أبواباً لا تفتحها الشهادة وحدها.

التدريب أثناء الدراسة: لا تنتظر التخرج لتبدأ. فرص التدريب (Internship) -ولو غير مدفوعة في البداية- تمنحك خبرة حقيقية تُحسب لك عند التقديم لاحقاً.

لا تقارن مسارك بمسار غيرك: كل شخص له ظروفه ومجموعه وإمكانياته، والمقارنة المستمرة تستنزف نفسياً أكثر مما تحفّز.

إن أخطأت في اختيارك، لا يعني هذا نهاية الطريق: يمكنك التحويل، أو إكمال الدراسة والاعتماد على مهارات إضافية خارجها، أو حتى تغيير المسار كلياً بعد التخرج. الحياة أطول من أن يحددها قرار واحد في سن الثامنة عشرة.

في النهاية، تجربتي لم تكن مثالية، لكنها علمتني أن التخطيط -مهما تأخر- أفضل من غيابه التام، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بمجموعه في الثانوية، بل بما يبنيه بعد ذلك من مهارات وخبرات ووعي بما يدور حوله.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Esraa تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-